مجموعة مؤلفين

37

جمع المقال في إثبات كرامات الأولياء في الحياة وبعد الانتقال

هل الكرامات تقع اختيارا ذهب كثير من الناس إلى أن الكرامة لا تقع اختيارا ، ولو قصد الولي وقوعها اختيارا لم تقع . وقال إمام الحرمين : هذا قول غير مرضيّ ، بل المختار عندنا ألا يمتنع وقوع الكرامة على وفق مراد الولي وقصده واختياره ، كما لا يمتنع وقوعها على غير اختياره . قلت : ودليل فعل عمر رضي الله عنه حين صرخ وهو على المنبر بسارية وجيشه ، وهم بأكناف نهاوند ، وكان قصده واختياره أن يسمعوا كلامه ، فوقع ذلك كما أراد واختار . قال القاضي أبو بكر : لو عرض هذا على العقل لم يكن فيه محال ، ولا يمتنع وقوعها اختيارا إذا رام بها تخلصا من هلكه أو خلاصا لغيره . مسألة : هل يجوز في الكرامات وقوع تواليها حتى تتعين في حكم العبادة ؟ ذهب كثير من الناس إلى منع ذلك واستحالته . وقال الجمهور : يجوز ذلك ولكن بحيث لا تشيع ، وليس للولي سكون إلى الكرامات ، ولا ملاحظة إلى الولاية ، ولكن قد يكون له في تواليها قوة يقين وزيادة بصيرة ، مما يتحقق به فضل اللّه تعالى عليه ، فيستدل بذلك على صحة ما هو عليه من قوة العقيدة واستقامة الطريق ، والذي يجب على كل تقدير اعتقاده تعلقها بإرادة الحق تعالى ، فمتى ما شاء تواليها على العبد توالت عليه ، ومتى شاء قبضها عنه قبضها ، وليس في كثرة العباد وقوة المجاهدة ما يستدعي تواليها ، ولا في ضعف ذلك وقلته ما يمنع تواليها ، وليس شيء يوجب ذلك في شواهد المعقول ولا في دلائل المنقول ، فهذا قدر من البيان يفي بالمقصود ، واللّه تعالى هو المشكور والمحمود .